Our Blog

Pin It

بياض الثلج - مدارس ثامر العالمية

بقلم: رهف نادر/ الثامن (ز)

في يوم من أيام الخريف البارد كنت أتمشى في الغابة وأستمع إلى حفيف الشجر وهو يكسر الهدوء والسكون وكأنه يريد التكلم معي. وبينما كنت أمشي رأيت كهفاً غريب الشكل بين الأشجار، فاتّجهت نحوه بتردد وقدماي ترتجفان لا تكادان تحملانني.

كان الكهف مظلماً وبارداً مع أننا في بداية فصل الخريف، وكان هناك ينبوع ماء صغير الحجم ينساب بين الحجارة وخرير الماء داخل الكهف تشعر وكأنه يقول لك تفضل اشرب مني، وفي سقف الكهف فتحة تدخل منها أشعة الشمس اللامعة لتضيء شيئاً جميلاً لم يسبق لي أن رأيت مثله ومثل صفاء لونه الأبيض الساطع الذي يضاهي لون الثلج.

أصابني الفضول، فاتجهت نحو هذا الشيء، وإذ بي أرى وردة حزينة تسيل دموعها على الأرض. ذُهلت ممّا رأيت، فكيف لهذه الوردة البيضاء الجميلة أن تكون موجودة لوحدها في هذا الكهف. سألتها عن اسمها، فأجابتني: ''أنا بياض الثلج، وكنت أعيش في موطني حيث يوجد الثلج والبرد.'' سألتها: ''وما الذي أتى بك إلى هنا؟'' أجابتني بصوتٍ مكسور يعتصره الألم والحزن: '' قبل بضعة أيّام كنت وعائلتي نعيش أجمل لحظات حياتنا نحتفل بتجذرنا في أرضنا بأمانٍ وهناء، وكنا نلعب مع نسمات الهواء ونرقص على ألحان صوت الأشجار، وفجأةً هبّت عاصفةً اقتلعت عائلتي وفرّقتنا عن بعضنا ودمّرت موطني الرائع. حملتني الرياح بين السهول والمنحدرات إلى أن أوقعتني في هذا المكان. ويا ليتني أطير في السماء كالغيمة البيضاء وأرى إخواني وأهلي وموطني الجميل من جديد.

دُهشت ممّا سمعت، فما قالته بياض الثلج حرّك مشاعري، وأثار ذاكرتي، وجعلني أعتقد أنّنا متشابهتان إلى حدٍّ كبير. اقتلعتها العاصفة وشتتت أهلها، ولكنّها قاومت وتحدّت وتأقلمت في ظروف صعبة، وبقيت كما كانت ولم تنسَ عائلتها وتتوق إلى رؤيتهم والعيش بينهم من جديد.

مشاعرها وكلماتها جعلتني أتذكّر كيف اقتلعت عائلتي من موطننا من خلال عاصفة من نوعٍ آخر، اقتلعت البشر والحجر وتحاول اقتلاع التاريخ والجغرافيا كائناتٍ تسمّي نفسها بالبشر. الوردة البيضاء تتوق إلى موطنها، وأنا أتوقُ إلى موطني وترابه وشمسه وسمائه.

المصدر: مجلة شهد الكلمة - العدد الثاني - أبريل 2018-2019